محمد بن علي الغرناطي ( ابن الأزرق )
100
بدائع السلك في طبائع الملك
الاضطراب الثاني : حين اختلاف القياصرة في الاخذ بهذه الشريعة ، وتعظيم أهلها تارة ، ثم بتركها والتسلط على أهلها بالقتل والنفي أخرى ، إلى أن جاء قسطنطين الملك ، واخذ بها ، واستمروا عليها ، ورئيسهم في هذه الحالة صاحب دينهم ، كما مر . الاضطراب الثالث : لما اختلف البطارقة ، والقديسون بعد ذلك ، في قواعد دينهم وعقائده ، واجتمعوا في أيام قسطنطين لتحرير الحق في الدين ، واتفق ثلاثمائة وثمانية عشرة منهم على رأي واحد فكتبوه ، وسموه « الأمانة » وجعلوه أصلا يرجعون اليه . فبقى الامر كذلك إلى أن اختلفوا بعد ذلك في قواعد الدين اختلافا آخر وهو : الاضطراب الرابع : وكانت لهم مجتمعات في تقريره ، واتصل فيهم بنيابة الأساقفة عن البطارقة ، وكان الأساقفة يدعون البطرك « بالأب » تعظيما له ، والأسقف يدعى ، حيث ينوب عن البطرك بالأب أيضا ، تعظيما له ، فأرادوا ان يميزوا البطرك عن الأسقف في التعظيم لحصول الاشتباه بينهما منذ اعصار متطاولة فدعوه « البابا » ومعناه « أبو الآباء » . فلم تزل سمته عليه بعد اختصاصه بكرسي رومة إلى الآن . الاضطراب الخامس : وهو اختلافهم في الأعظم بعد ذلك في الدين ، وما يعتقدونه في المسيح وصاروا طوائف وفرقا ، واستظهروا بملوك النصرانية ، كل على صاحبه ، إلى أن استقرت ثلاث طوائف ، هي فرقهم التي لا معول لهم على غيرها ، وهم الملكانية واليعقوبية والنسطورية . ثم اختصت كل فرقة منهم ببطرك فبطرك رومة المسمى بالبابا على رأي الملكانية ، وملكهم قديم بتلك الناحية ، وبطرك المعاهدين بمصر على رأي اليعقوبية ، وهو ساكن بينهم ، والحبشية يدينون بدينهم ، ولبطرك مصر فيهم أساقفة ينوبون عنه في إقامة دينهم هناك واسم البابا مخصوص ببطرك رومة ، ولا يسمى به اليعقوبية بطركهم . اعلام : قال ابن خلدون : « ومن مذاهب البابا عند نصرانية رومة تحضيضهم على الانقياد لملك واحد يرجعون اليه اختلافا واجتماعا ، تحرجا من افتراق الكلمة ، ويتحرى فيه العصبية التي لا فوقها ، لتكون يده عالية